الشيخ السبحاني

133

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

وجوه ناظرات يوم بدر * إلى الرّحمن يأتي بالفلاح ولكن الحق أنّ الإصرار على أنّ النظر بمعنى الرؤية أو الانتظار يوجب كون الآية مجملة من حيث المراد ، مع أنها من المحكمات ولا إجمال فيها . والذي يبطل الاستدلال هو أنّ النظر سواء أكان بمعنى الرؤية أم بمعنى الانتظار لا يدل على أنّ المراد هو الرؤية الحقيقية ، ويعلم ذلك بمقارنة بعض الآيات المذكورة ببعضها ، وعندئذ يرتفع الإبهام عن وجهها . وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة : أ - وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ يقابلها قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . ب - إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يقابلها قوله : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ . ولا شك أنّ الفقرتين الأوليين واضحتان جدا ، وإنما الكلام في الفقرة الثالثة فيجب رفع إبهامها عن طريق الفقرة الرابعة التي تقابلها . وبما أن المراد من الفقرة الرابعة هو أنّ الطائفة العاصية التي عبّر عن صفتها بكونها ذات وجوه باسرة ، تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها ، يكون ذلك قرينة على المراد من الفقرة الثالثة ، وهو أنّ الطائفة المطيعة ذات وجوه ناضرة تتوقع عكس ما تتوقعه الطائفة الأولى ، وتنتظر فضله وكرمه . هذا هو الذي يستظهره الذهن المجرد عن كل رأي مسبق ، من مقابلة الآيتين . وبعبارة أخرى : لا يصح لنا تفسير الفقرة الثالثة إلا بضد الفقرة الرابعة . فبما أنّ الفقرة الرابعة صريحة في أنّ المراد توقع العصاة العذاب الفاقر ، يكون المراد من الفقرة الثالثة توقع الرحمة والفضل والكرم حتى ولو كان النظر بمعنى الرؤية ، ولكن ليست كل رؤية معادلة للرؤية بالأبصار ، بل ربما تكون الرؤية كناية عن التوقع والانتظار مثلا يقال : « فلان ينظر إلى يد فلان » ويراد أنه رجل معدم محتاج ليس عنده شيء وإنما يتوقع عطاء الشخص ، فما أعطاه ملكه وما منعه حرم منه . وهذا مما درج عليه الناس في